تعريف الله رب العرش العظيم

الله موجود معنا سبحانةعزوجل

اعوذ بالله من الشيطان

كثير من الناس تشكك بوجود الله عزوجل ويوسوس لهم الشيطان بعدم وجود الله وهذا كفر والعياذ بالله

لقد جاءت الأدلة العقلية في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على إثبات وجود الله وربوبيته، وهي كثيرة ومتنوعة وسهلة وواضحة، لأن الناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ربهم وخالقهم، وحاجتهم إلى معرفته أشد من حاجتهم للماء والهواء والطعام والشراب .. ‏

ويمكننا أن نقول ابتداء .. إن كل شيء يدل على وجود الله سبحانه وتعالى، إذ مامن شيء إلا وهو أثر من آثار قدرته سبحانه، وما ثم إلا خالق ومخلوق ، وقد نبه القرآن الكريم إلى دلالة كل شيء على الله تعالى، كما في قوله عز وجل: [قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء] .. [الأنعام: 164] ..

وفى كل شىء له آية
تدل على أنه واحد

وقد سئل أحد الأعراب سؤالاً موجهاً إلى فطرته السليمة، فقيل له: كيف عرفت ربك؟ فقال: (البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، وجبال وأنهار، أفلا يدل ذلك على السميع البصير؟) إهـ .. ‏

وما أجمل ما قاله الإمام الخطابي حول هذه القضية .. يقول رحمه الله: ‏ [إنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المعد فيه ما يحتاج إليه ساكنه، من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدوة كالبساط، والنجوم مجموعة والجواهر مخزونة كالذخائر، وأنواع النبات مهيئة للمطاعم والملابس والمشارب، وأنواع الحيوان مسخرة للراكب مستعملة في المرافق، والإنسان كالملك للبيت المخول فيه، وفي هذا كله دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعاً حكيماً تام القدرة بالغ الحكم] ..

مظاهر دلالة المخلوقات على الخالق:

أولاً: دلالة الخلق والإيجاد والإختراع بعد العدم:‏

إن وجود الموجودات بعد العدم، وحدوثها بعد أن لم تكن، يدل بداهة على وجود من أوجدها وأحدثها ..

وليس شرطاً أن يقف كل أحد على حدوث كل شيء حتى يصدق بذلك، بل إن ذلك غير ممكن كما قال عز وجل: [ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً] ..[الكهف: 51] ..

ومما يدل على أن وجود الخلق دليل على وجود الله سبحانه عز وجل: [أم خُلقوا من غير شيء أم هم الخالقون .. أم خَلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون] .. [الطور: 34-36] ..

هذا تقسيم حاصر .. يقول: أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائه العقول، أم هم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعاً، فعلم أن لهم خالقاً خلقهم، وهو الله سبحانه .. وإنما ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليتبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس، لا يمكن إنكارها، فلا يمكن لصحيح الفطرة أن يدعي وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: (هو أحدث نفسه) ..

قال عز وجل: [أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً] ..[مريم: 67] ..

فدلت الآيات على حاجة المخلوق إلى خالق ضرورة ..

ثانياً: دلالة العناية المقصودة بالمخلوقات:

والمراد: ما نشهده ونحس به من الاعتناء المقصود بهذه المخلوقات عموماً، وبالإنسان على وجه الخصوص ..

قال عز وجل: [ألم نجعل الأرض مهاداً .. والجبال أوتاداً .. وخلقناكم أزواجاً] .. [النبأ: 6-8] ..‏

وقال عز وجل: [تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً] .. [الفرقان: 61] ..

وهذه العناية المقصودة ماثلة في العالم كله، فإذا نظر الإنسان إلى ما في الكون من الشمس والقمر وسائر الكواكب والليل والنهار، وإذا تأمل في سبب الأمطار والمياه والرياح، وسبب عمارة أجزاء الأرض، ونظر في حكمة وجود الناس وسائر الكائنات من الحيوانات البرية، وكذلك الماء موافقا للحيوانات المائية، والهواء للحيوانات الطائرة، وأنه لو اختل شيء من هذا النظام لاختل وجود المخلوقات التي هاهنا.

إذا تأمل الإنسان ذلك كله؟ عَلِم عِلم اليقين أنه ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة التي في جميع أجزاء العالم للإنسان والحيوان والنبات بالاتفاق، بل ذلك من قاصد قصده، ومريد أراده، وهو الله سبحانه، وعلم يقيناً أن العالم مصنوع مخلوق، ولا يمكن أن يوجد بهذا النظام والموافقة من غير صانع وخالق مدبر.

ثالثاً: دلالة الإتقان والتقدير:

قال عز وجل: [وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون] ..[النمل: 88] ..

وقال عز وجل: [الذي خلق سبع سماوات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور] ..[الملك: 3] ..‏

وقال عز وجل: [الذي أحسن كل شيءٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين] .. [السجدة: 7] ..

فهذه الآيات وأمثالها تلفت نظر المستدل إلى دلالة المخلوقات على باريها، من خلال ما يشاهد فيها من الانضباط والالتزام التام بنظام في غاية الدقة، ما كان له أن يوجد على هذه الحال دون قيّم ومدبر، وفي هذا أعظم دليل على بطلان الخرافة القائلة بحدوث العالم عن طريق المصادفة ..‏

رابعاً: دلالة التسخير والتدبير:

إذا نظرنا إلى هذا العالم وجدناه بجميع أجزائه مقهوراً مسيراً مدبراً مسخراً، تظهر فيه آثار القهر والاستعلاء لمسيِّره ومدبره، وتتجلى فيه شواهد القدرة لمُخضعه ومذللـه سبحانه، بما لا يدع مجالاً للشك في وجود مدبر يدبره وقدير يمسك بمقاليده، كما قال عز وجل: [له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون] .. [الزمر: 63] ..

وقال عز وجل: [ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون] ..[النحل: 79]

دليل العناية:

يعتمد هذا الدليل والبرهان على ملاحظة العناية بالإنسان والاهتمام بخيره وما ينفعه، وأن جميع الموجودات خُلقت لأجله، ومبنى هذا الدليل أمران:

الأمر الأول: أن كل موجودات العالم موافقه لوجود الإنسان ومنسجمة معه، والأمر الثاني: أن هذه الموافقة لا يمكن إلا أن تكون من فعل فاعل قاصد مريد، فلا يمكن أن تحصل هذه الموافقة والانسجام الكامل بالصدفة.

أما الأصل الأول، فإن الليل والنهار والشمس والقمر والفصول الأربعة والكرة الأرضية كلها منسجمة مع وجود الإنسان وملائمة له، كما أن معظم الحيوانات والنباتات والجمادات وأغلب الجزئيات الأخرى كالمطر والأنهار و البحار والماء والهواء والنار، كلها مناسبة تماماً للإنسان وملائمة له. كذلك إذا تأملنا بدّقة في أعضاء جسم الإنسان والحيوان رأينا أنها جميعاً تتفق مع حياة الإنسان ووجوده، وهذا الأمر واضح كل الوضوح، وكلُّ من أراد أن يعرف الله أكثر وأن يقوى لديه أساس التوحيد ويصل إلى كماله، ما عليه إلا أن يفحص ويبحث في المنافع التي لا حصر لها لأعضاء جسم الإنسان.

ومن هذا الأصل يثبت الأصل الثاني وتتم البرهنة عليه: لأنه من المستحيل أن تجتمع كل هذه الموجودات لأجل منفعة وجود الإنسان دون أن يكون وراء ذلك إرادة فاعل، بل بمجرّد الصدفة. مثلاً إذا رأى شخصٌ صخرةً منحوتةً على شكل كرسيٍّ وموضوعةً لأجل الجلوس عليها، فإنه يحكم أن هذا قد تمَّ بإرادة فاعل، إذا لا يمكن أن يكون نحتها ووضعها على ذلك النحو قد تم بالصدفة المحضة، أما إذا رأى صخرةً عاديةً ليست منحوتةً ولا موضوعةً على نحوٍ يناسب الجلوس عليها، فيمكنه أن يقول إن تلك الهيئة حصلت دون قصد قاصد. كذلك إذا نظر الإنسان إلى العالم ورأى الشمس والقمر والنجوم وفهم كيف تنشأ عنها الفصول الأربعة والليل والنهار وكيف أنها تسبب نزول الأمطار وحركة الرياح وإذا تأمَّل في أطراف الأرض والحيوان والنبات وتأمَّل في الانسجام والتوافق بين الماء وبين الأسماك والحيوانات البحرية والنهرية، والانسجام والتوافق بين الهواء والطيور، فإنه يُقِرُّ ويعترف مباشرةً بوجود صانع للعالم ووجود ربٍّ حيٍّ مريدٍ، ويدرك عناية هذا الربّ بإيجاد هذا التوافق والانسجام والتناسب بين أجزاء عالم الموجودات والإنسان وأن ذلك يستحيل أن يكون وليد الصدفة المحضة بل لا يكون إلا بقصد قاصد وإرادة مريدٍ، فإذا اتضح هذا الدليل القرآني لإثبات خالق العالم، نذكر الآيات القرآنية الواردة في بيان هذا الدليل:

الآيات الواردة في القرآن حول دليل العناية:

1- قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِـلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[البقرة/22].

2- وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة/164].

3- وقال أيضاً: ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾ [الرعد/2-4].

4- وقال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي البَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ(33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم/32 -34].

5- وقال عز من قائل: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾[الحجر/19-22].

والآيات الدالة على دليل العناية – كالتي ذكرناها أعلاه – كثيرة في القرآن الكريم، وما ذكرناه هو نماذج عنها فقط.

دليل الاختراع لإثبات خالق العالم:

وهذا الدليل يستند أيضاً إلى أصلين تحكم بهما الفطرة:

الأصل الأول: أن جميع الموجودات قد اُختُرِعت، وهذا أمر معلوم في الحيوان والنبات، كما يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ…﴾ [الحج/73]. ولما كنا نرى في البداية الجمادات ثم بعد ذلك نلاحظ وجود الحياة فيها، ومن البديهي أن الجماد الفاقد للحياة لا يمكن أن يكون هو مبدأ الحياة، فنقطع إذن بأن الحركة والحياة والشعور لا بد أن يكون مبدؤها حيٌّ قادرٌ وهو الله خالق الكون.

الأصل الثاني: كل اختراع يحتاج إلى مخترع. ومن اجتماع هذين الأصلين يتبين أنه لا بد أن يكون لجميع الموجودات فاعل ومخترع، وكل من أراد أن يعرف الله، ويصل بمعرفته لِـلَّهِ إلى كمالها، فعليه أن يطلع على جواهر الأشياء وحقائق الموجودات كي يفهم الاختراع الحقيقي، فكل من لم يعرف حقيقة الشيء لن يعرف حقيقة الاختراع، ولقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ..﴾؟ [الأعراف/185].

ونذكر هنا بعض الآيات الكريمة الواردة في دليل الاختراع:

الآيات الواردة في القرآن حول دليل الاختراع:

1- يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ؟﴾ [الأنبياء/30].

2- ويقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشـَرُونَ﴾[المؤمنون/79].

3- ويقول:﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَـرٌ تَنْـتَشِـرُونَ﴾[الروم/20].

4- ويقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ؟﴾[يس/77].

5- ويقول: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق/5-6].

دليل الاختلاف لإثبات خالق العالم:

عندما ننظر إلى عالم الموجودات نلاحظ أن بعض الموجودات يصدر عنها فعل واحد، مثل النار التي عملها الإحراق، فالصورة النوعية للنار منشأ لفعل واحد كما أنها ليست ذات شعور ولا إرادة. وإذا رأينا موجوداً تصدر عنه أفعال متنوعة نرى أن هذا الموجود يمتلك درجة من الشعور، كالنبات الذي تصدر عنه أفعال مختلفة من جذب الطعام و تحليله وهضمه ودفع الفضلات والتغذية والنمو والتكاثر، ولاشك أن الموجود الذي تصدر عنه أفعال مختلفة أكمل وأشرف من الموجود الذي يصدر عنه عمل واحد. ثم إذا تأملنا وبحثنا بعد ذلك في عالم الحيوان رأينا أن هناك حركات مختلفة تصدر عن الحيوانات فنفهم عندئذٍ أن هذه الحيوانات صاحبة إرادة وشعور لأنها لو لم تكن كذلك لما صدرت عنها هذه الأعمال المختلفة.

ومعنى الكمال في موجود اشتماله على قوى مختلفة، وكلَّما زادت قوى موجود من الموجودات زاد كماله.

فمثلاً المدينة الفاضلة الكاملة هي التي تتمتع بشؤون مختلفة، وكذلك الشخص العالم بفنون كثيرة أكمل من الشخص الذي لا يجيد إلا فناً واحداً أو عدة فنون فقط.

من هذه المقدمة نستنتج أنه لو كان مبدأ عالم الطبيعة فاقداً للشعور لوجب أن لا يصدر عنه إلا نهج واحد وطريقة واحدة، لكننا إذا نظرنا إلى العالم لاحظنا أنه مليء بالاختلاف والتنوع والتغايُر، بل لا يكاد يوجد موجودان شبيهان ببعضهما، فمن هذا التنوع والاختلاف بين الموجودات نكتشف أنه لابد أن يكون مبدأ العالم موجوداً ذا شعور واختيار وإرادة، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لأن للإرادة والعلم والحكمة تدخُّل واضح وكامل في هذا النظام، فهذا التنوع يقودنا إلى عالم الغيب وإلى إدراك أنه خلف ستار الغيب هذا يوجد الله المريد المختار.

وخلاصة الكلام أن هذه الكثرات والاختلافات جميعاً، وهذه التغييرات التي تحدث في عالم الوجود باستمرار إذْ نجد كل يوم حوادث لا سابقة لها، كل ذلك دليلٌ واضحٌ وبرهانٌ قاطعٌ على أن هناك مبدأٌ ذو اختيار وإرادة هو مصدر كل هذه الأمور التي مرجعها جميعاً إلى الله ﴿أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾[الشورى/53]، وإرادة الحق السنية هي المدبرة والمديرة لعالم الوجود.

الآيات الواردة في القرآن حول دليل الاختلاف:

1- قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾[المؤمنون/80].

2- وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ…﴾ [الروم/22].

3- وقال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس/6].

4- وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا…﴾ [فاطر/27].

5- وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ…﴾ [فاطر/27].

6- وقال أيضاً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ…﴾ [فاطر/28].

7- وقال كذلك: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ…﴾ [النحل/13].

8- وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا؟﴾[الزمر/21].

دليل الفطرة لإثبات خالق العالم

يقول الله تعالى:﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا..﴾ [الروم/30]. ويقول حضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، ثُمَّ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَ يُنَصِّرَانِهِ وَ يُمَجِّسَانِهِ »(137).

والدليل على ذلك أن الناس يتَّجهون بطبعهم وغريزتهم ودون إرادةٍ منهم إلى الله تعالى خالق العالم، ويلجؤون إليه ويستغيثون به وحده في الشدائد والبلايا والمُلِمَّات ولا يعتبرون – في أعمق وجدانهم – أحداً مسبِّباً للأسباب ومسهلاً للأمور الصعاب، سوى ذات الواحد المقدّسة، ويعتبرون أن حلّ المشكلات وقضاء الحاجات وإزالة الكُرَب بيد الله تعالى وفي قدرته، و يعتبرون النجاح والفوز موكولاً إلى إرادة الله ولطفه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى بقوله:﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ..﴾ [الأنعام/40-41].

سأل شخص حضرة الإمام الصادق عن عبادة الله فقال له: يا عبد الله! هل ركبت السفينة؟ قال نعم. قال: هل حدث أن تحطمت السفينة في عرض البحر ولم يكن هناك من ينقذ السفينة، ولم تكن تعلم السباحة؟ قال: بلى. قال: فهل شعر قلبك بوجود قدرة و قوة أخرى قادرة على نجاتك و على إنقاذك من الغرق والهلاك؟! قال: بلى. قال الإمام: فهذه هي قدرة الله تعالى القادر على إنقاذك ونجاتك حيث لا منقذ و لا منج غيره، وهو القادر على إغاثتك و تلبية استصراخك حيث لا مغيث و لا صريخ غيره.

ولهذا السبب فإن دين الإسلام المبين اكتفى من الناس بالإقرار بوجود الباري تعالى ولم يكلف البشر أبداً أن يتفكروا في ذات الله أو يتعمّقوا في صفاته، بل جعل مثل هذا التعمّق مختصّاً بطائفة خاصّة من الناس يبحثون عن الزيادة في التبصّـُر والمعرفة، وذلك لأن الناس جُبِلوا بفطرتهم وغريزتهم على التوحيد، والاستدلالات العلمية والبراهين الفلسفية ليست إلا لأجل الرّد على أهل الضلال والذين انحرفوا عن جادة الفطرة السليمة، رغم أن أصل معرفة الباري تعالى أمرٌ فطريٌ [لا يحتاج إلى دليل أو برهان] ويكفي أقل مقدار من التنبُّه واليقظة لسلوك جادة المعرفة. لكن للمعرفة بحد ذاتها درجات مختلفة ومراتب متعددة وتتفاوت شدةً وضعفاً وبطأً وسرعةً وقلّةً وكثرةً وكشفاً وشهوداً وتختلف عقول الناس وأفهامهم في إدراك ذلك طبقاً لاختلافها في مداركها، فكل شخص لديه طريق يصل به إلى المقصود، فالهداية والوصول إلى المعرفة الإلـهية و الارتواء من سلسبيل التوحيد بعدد نفوس الخلائق، كما قال بعضهم: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق»، ويقول تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ…﴾ [آل عمران/163]، ويقول كذلك: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ…﴾[المجادلة/11].

يتبـيَّن مما ذُكر أن أجلى الموجودات وأظهرها ذات الباري جل جلاله، فلا بد إذن أن تكون معرفته أول المعارف البشرية، ومبدأ معلومات الإنسان، ولا بد أن يكون فهمها أسهل المفاهيم لعقول وأذهان البشر، ولكننا نرى أن الأمر على العكس من ذلك، فلا بد أن لذلك سبباً يجب أن نكتشفه.

أما قولنا إن الله تعالى أجلى الموجودات وأظهرها فهذا يمكن إثباته بالمثال الصغير التالي: عندما نرى شخصاً يكتب كتاباً أو يخيطُ لباساً فإن أظهر وأجلى ما يظهر لنا من صفات هذا الشخص هو الحياة والعلم والقدرة، أما صفاته الباطنية مثل غضبه وشهوته وخُلُقه، ومَرَضِهِ وصحّته فلا تكون معلومة لنا، كما أننا لا نميِّزُ جميع صفاته الظاهرية في المرحلة الأولى، ونشك في بعض صفاته الظاهرية الأخرى، ولكن الصفات التي هي أظهر من جميع الصفات الأخرى، والتي يتوجه إليها ذهننا منذ الوهلة الأولى، أعني صفة وجود الحياة والعلم القدرة، لا يشك ذهننا فيها أبداً، علماً أن الصفات ليست مثل بعض الصفات الظاهرة للعيان، كلون البشرة والطول والعرض التي تدركها حواسنا الخمس فوراً، لكنها صفات ندركها مباشرةً بمجرد ملاحظتنا لحركة يد الكاتب في كتابته أو في خياطته فندرك إرادته وعلمه وحياته.

كذلك إذا ألقينا نظرة على العالم وعلى ما سوى الله وشاهدنا ما تدركه حواسنا الخمس فيه من برٍّ وبحرٍ وجبل وصحراءٍ ونباتٍ وجمادٍ وحيوانٍ وكواكب سماويةٍ ونجومٍ ثابتةٍ وسيّارةٍ وقمرٍ وشمسٍ، وتأملناها بدقة، ولاحظنا هذه الحركة الدائمة وهذه الموجودات والمصنوعات المختلفة وهذه التطورات المتنوعة والتحولات العديدة التي نجدها في أنفسنا وفي بني نوعنا وفي جميع ذرات العالم، أدركنا وجود صانعٍ للعالم ذي حياةٍ وعلم وقدرة، وأقررنا واعترفنا به، بل قبل أن ندرس ونتأمل العالم يمكننا أن تأمل أنفسنا ونتأمَّل الحركات والأطوار الناشئة عنها؛ فبمشاهدة أعضاء بدننا ورأسنا وأيدينا وأرجلنا ورقبتنا ودماغنا وقلبنا ندرك ونفهم أنها مصنوعة من قَبِل صانع قدير عالم وحيٍّ، ولما كان العلم بالأنفس من أسبق العلوم كانت نتيجة هذه المشاهدة والعلم – أي الإقرار بوجود صانع حيِّ مدركٍ – أظهر وأسبق وأجلى من جميع المعارف.

وإذا كانت يد الكاتب والخياط تدل على علمه وحياته وقدرته فكيف لا تدل كل هذه الموجودات من بشر وحيوان ونبات وجماد واختلاف للأنواع والأنفس وتركيب الأعضاء واللحم والجلد والعظم والأعصاب، والخلاصة كل الذرات فرداً فرداً، على وجوده تعالى وكيف لا تكون شاهداً ناطقاً بأعلى صوته على قدراته وحياته وعلمه؟! لقد أذهلت مشاهدة هذا المعنى العقول وأعجزت الأفكار في وادي الحيرة، فأيُّ عينٍ لم تذهلها مشاهدة العظمة وأي عقل لم يبهت ويتحير من مطالعة الجمال والجلال اللامتناهيين.

صعوبة فهم التوحيد:

تنشأ صعوبة إدراك أي حقيقة والإشكال في فهمها من أحد سببين: إما من غموض الموضوع نفسه ودقّته وتعقيده، أو على العكس من شدة وضوحه وظهوره!! مثال الأول: واضح، وأما مثال الثاني فهو خفافيش الليل التي تعجز عن رؤية الأشياء في وضح النهار بسبب شدة إشراق الشمس والنور الذي يبهر بصرها الضعيف فلا تستطيع أن ترى شيئاً، فإذا غابت الشمس وانحسر نورها وحلّ الظلام انطلقت من أوكارها باحثةً عن فريسةً تصطادها لتواصل حياتها.

وعقولنا وأفكارنا أيضاً ضعيفة، وجمال الحضـرة الإلهية في غاية الإشراق والظهور وغاية الإنارة وأقصى مراتب الإحاطة والشمول فلا يعزب عن قدرته وعلمه ذرة في السموات ولا في الأرض﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد/3]؛ وكل جزئيات عالم الطبيعة من أصغرها إلى أكبرها صنع يدي قدرته لذلك فإن معرفته والعلم به لا يخلوان من إشكال وإبهام، فس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*